الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

488

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

فلمواطأة قلبه لقالبه ، وظاهره لباطنه ، وبصره لبصيرته ، لم يكذب الفؤاد البصر ، ولم يتجاوز البصر حده ، ولم يمل عن المرئى فيزيغ ، بل اعتدل البصر على المرئى لم يتجاوزه ولا مال عنه لما اعتدل القلب في الإقبال على اللّه بكليته والإعراض عما سواه ، فإنه أقبل على اللّه بكليته وأعرض عما سواه ، بكليته . وللقلب زيغ وطغيان ، كما أن للبصر زيغا وطغيانا وكلاهما منتف عن قلبه وبصره ، فلم يزغ قلبه التفاتا عن اللّه إلى غيره ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه ، وهذا غاية الكمال والأدب مع اللّه تعالى الذي لا يلحقه فيه سواه ، فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عال رفيع أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه ، ألا ترى إلى موسى - عليه السّلام - ، لما أقيم مقام التكليم والمناجاة طلبت نفسه الرؤية ، ونبينا - صلى اللّه عليه وسلم - لما أقيم في ذلك المقام وفاه حقه ، ولم يتلفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه البتة ، ولأجل هذا ما عاقه عائق ، ولا وقف به مراد ، حتى جاوز السماوات السبع فلم تعقه إرادة منه لشئ ، ولم تقف به دون كمال العبودية همة ، ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف ، فيضع قدمه عند منتهى طرفه ، مشاكلا لحال راكبه وبعد شأوه الذي يسبق به العالم أجمع في سيره ، فكان قدم البراق لا يتخلف عن موضع نظره ، كما كان قدمه - صلى اللّه عليه وسلم - لا يتخلف عن محل معرفته . فلم يزل - صلى اللّه عليه وسلم - في خفارة كمال أدبه مع اللّه سبحانه ، وتكميل مرتبة عبوديته له ، حتى خرق حجب السماوات ، وجاوز السبع الطباق ، وجاوز سدرة المنتهى ، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين ، فانصبت له هناك أقسام القرب انصبابا ، وانقشعت سحائب الحجب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا ، وأقيم مقاما غبطه فيه الأنبياء والمرسلون . فإذا كان في المعاد أقيم مقاما من القرب تاما ، يغبطه فيه الأولون والآخرون ، واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع اللّه تعالى ، ما زاغ البصر وما طغى ، فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط على الحق